إنتهاكات

بدعم إماراتي.. ميليشيا الدعم السريع تشعل كردفان وتجرّ السودان إلى حرب استنزاف مفتوحة

    في الأيام الأخيرة من عام 2025، عاد إقليم كردفان ليتصدر مشهد الحرب الدامية في السودان، بعد أن تبادل الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع إعلان السيطرة على مناطق متفرقة في ولايتي شمال وجنوب كردفان، في ظل معارك عنيفة لم تُفضِ إلى حسم ميداني بقدر ما عكست طبيعة الصراع القائم على الاستنزاف وتدوير الجبهات، وسط تدخلات إقليمية واضحة تُطيل أمد الحرب وتعمّق كلفتها الإنسانية.

    معارك متحركة بلا حسم

    بحسب مصادر عسكرية، نفذ الجيش السوداني ضربات جوية استهدفت مواقع ميليشيا الدعم السريع في بلدة برنو شمال غرب مدينة كادوقلي، وألحق بها خسائر بشرية ومادية، وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان الميليشيا سيطرتها على البلدة. وفي تطور موازٍ، أفاد مصدر عسكري آخر بأن الجيش فرض سيطرته على بلدة الحمادي في ولاية جنوب كردفان عقب معركة وُصفت بالعنيفة، استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة.

    وبث عناصر من الجيش مقاطع مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر تجوالهم داخل بلدة الحمادي، دون أن يصدر تعليق رسمي فوري من الجيش أو ميليشيا الدعم السريع، وهو ما يعكس حالة الضبابية التي تسيطر على المشهد الميداني، حيث بات إعلان السيطرة جزءًا من الحرب الإعلامية بقدر ما هو توصيف للواقع العسكري.

    أهمية الحمادي والدبيبات

    تكتسب بلدة الحمادي أهمية استراتيجية بالغة، إذ تبعد نحو 50 كيلومترًا عن مدينة الدبيبات، التي تمثل عقدة ربط حيوية بين ولاية شمال كردفان ومدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان. السيطرة على هذه المنطقة تمنح الطرف المسيطر أفضلية لوجستية كبيرة، وتفتح الطريق أمام التحكم في مسارات الإمداد والتحرك العسكري.

    وسبق أن سيطر الجيش السوداني على الحمادي في 13 مايو/أيار الماضي لأكثر من أسبوعين، قبل أن تعود ميليشيا الدعم السريع وتفرض سيطرتها عليها في 30 من الشهر ذاته، في مشهد يكرس طبيعة الحرب الدائرة في كردفان، حيث لا وجود لخطوط تماس ثابتة، بل معارك كرّ وفرّ تستنزف الطرفين وتدمر حياة المدنيين.

    تحركات الميليشيا وتحالفاتها

    في المقابل، أعلنت ميليشيا الدعم السريع، الأربعاء، استيلاء قواتها، بالتعاون مع “الحركة الشعبية” المتحالفة معها، على منطقة الكويك في ولاية جنوب كردفان. كما كانت الميليشيا قد ادعت، في وقت سابق، سيطرتها على منطقة “التقاطع” الاستراتيجية الواقعة على الطريق الرابط بين الدلنج وكادوقلي، مركز ولاية جنوب كردفان.

    وتشير هذه التحركات إلى سعي الميليشيا لإحكام قبضتها على مفاصل الطرق الحيوية، بما يسمح لها بفرض نفوذ ميداني يخدم أجندتها العسكرية والسياسية، ويعزز قدرتها على المناورة في مواجهة الجيش، لا سيما في ظل الدعم الخارجي الذي تحظى به.

    دور الإمارات في إطالة الحرب

    لا يمكن قراءة تحركات ميليشيا الدعم السريع بمعزل عن الدعم الإقليمي الذي تتلقاه، وعلى رأسه الدعم القادم من الإمارات، التي تُتهم منذ اندلاع الحرب بلعب دور محوري في تمكين الميليشيا سياسيًا ولوجستيًا، بما ساهم في إطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب بالوكالة.

    هذا الدعم جعل من ميليشيا الدعم السريع قوة موازية للدولة، تتحرك خارج أي إطار وطني، وتفرض وقائع عسكرية على الأرض تخدم مصالح إقليمية، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ووحدته.

    كردفان… نزوح متصاعد ومأساة إنسانية

    تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال، غرب، جنوب) اشتباكات ضارية منذ نحو شهرين، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف خلال الأسابيع الأخيرة، في موجة تهجير جديدة تضاف إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

    ومن أصل 18 ولاية سودانية، تسيطر ميليشيا الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس غرب البلاد، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، في حين يفرض الجيش السوداني سيطرته على معظم الولايات الثلاث عشرة المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم، في واقع يعكس انقسامًا جغرافيًا هشًا لدولة ممزقة بفعل السلاح والتدخلات الخارجية.

    معبر أدري بين الإغاثة والشكوك

    على صعيد موازٍ، أعلنت السلطات السودانية تمديد فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد لمدة ثلاثة أشهر اعتبارًا من مطلع عام 2026، للسماح بدخول المساعدات الإنسانية. وقالت وزارة الخارجية السودانية إن القرار يأتي تأكيدًا لالتزام الحكومة بضمان وصول المعونات الإنسانية للمحتاجين في مختلف أنحاء البلاد.

    غير أن هذا القرار يعيد إلى الواجهة الجدل حول استغلال المعبر، بعدما كانت الحكومة قد أغلقته في يوليو/تموز 2024 بدعوى استخدامه في إدخال أسلحة لميليشيا الدعم السريع، قبل أن تعيد فتحه لاحقًا استجابة لطلب أممي، وهو ما يضع العمل الإنساني بين مطرقة الحاجة الإنسانية وسندان الحسابات الأمنية.

    حرب بلا أفق

    منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، على خلفية الخلاف حول دمج ميليشيا الدعم السريع في المؤسسة العسكرية، قُتل عشرات الآلاف ونزح أكثر من 13 مليون سوداني. ومع استمرار المعارك في كردفان ودارفور، تتأكد حقيقة أن السودان عالق في حرب استنزاف طويلة، تُدار جزئيًا من الخارج، وتُستخدم فيها الميليشيات كأدوات لتفكيك الدولة.

    وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبقى ميليشيا الدعم السريع، المدعومة إماراتيًا، أحد أبرز عوامل إدامة الفوضى، بينما يغرق السودان أكثر فأكثر في صراع مفتوح بلا أفق سياسي واضح، يدفع ثمنه شعب أنهكته الحرب والنزوح والجوع.

    Related Posts

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى