إنتهاكات

تدفّق السلاح الإماراتي للدعم السريع… صراع نفوذ يتفجّر على حدود السودان وليبيا

    كشفت تقارير صحفية أن شحنات الأسلحة لا تزال تتدفق من شرق ليبيا إلى السودان، رغم الضغوط التي مارستها كل من السعودية ومصر على قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر لوقف تسهيل الدعم العسكري الإماراتي المقدم لقوات «الدعم السريع». استمرار هذا التدفق يؤكد أن الإمارات ماضية في تغذية الحرب السودانية، غير آبهة بالتحذيرات الإقليمية ولا بتداعيات الانهيار الإنساني المتسارع في السودان.

    المعلومات تشير إلى أن الضغوط المصرية-السعودية تصاعدت خلال الأسابيع الماضية، مع تحذيرات صريحة بأن استمرار تمرير الأسلحة قد يؤدي إلى تغيير جذري في علاقة القاهرة مع حفتر. ورغم ذلك، لا تزال خطوط الإمداد تعمل عبر مناطق خاضعة لسيطرته، ما يكشف حجم النفوذ الإماراتي وقدرته على تعطيل أي مساعٍ لوقف تسليح الميليشيات.

    ضمن هذا السياق، تم استدعاء صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه في قيادة ما يسمى «الجيش العربي الليبي»، إلى القاهرة مطلع هذا الشهر. الزيارة لم تكن بروتوكولية كما صُوِّرت إعلاميًا، بل حملت تحذيرًا مباشرًا بضرورة إنهاء أي دور في تسهيل الدعم العسكري لقوات الدعم السريع. الرسالة كانت واضحة: ما يجري لم يعد مقبولًا، واستمراره ستكون له كلفة سياسية وأمنية كبيرة.

    مصادر ليبية مطلعة أكدت، في المقابل، أن صدام حفتر يتعرض لضغوط معاكسة من الإمارات للإبقاء على مسارات التهريب مفتوحة. هذا التناقض يفسر حالة التردد التي يعيشها الرجل، لكنه لا يغيّر من واقع أن الأسلحة ما زالت تصل إلى السودان، وأن القرار النهائي لم يُحسم، أو جرى تعطيله عمدًا تحت ضغط أبو ظبي.

    التحرك المصري-السعودي لا يقتصر على حفتر وحده، بل يندرج ضمن محاولة أوسع لقطع شحنات السلاح والوقود والمقاتلين عن قوات «الدعم السريع»، والحد من التمدد الإماراتي على المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، وهي منطقة باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي مع اتساع رقعة الفوضى.

    تقارير استخباراتية عرضتها القاهرة خلال اللقاءات أكدت وجود أدلة على شحنات أسلحة إماراتية، وطائرات مسيّرة، وأنظمة دفاع جوي وصلت إلى قوات الدعم السريع، إضافة إلى شحنات وقود نُقلت من مصفاة السرير الليبية إلى قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو. هذه الإمدادات لعبت دورًا حاسمًا في ترجيح كفة الميليشيا ميدانيًا، وأتاحت لها مواصلة الهجوم على مدن ومناطق استراتيجية.

    منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، تتابع مصر بقلق الانهيار المتسارع لجارتها الجنوبية. القاهرة تدعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وترى في صعود «الدعم السريع» تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا بعد المجازر الواسعة التي شهدتها دارفور، وعلى رأسها ما جرى في الفاشر، حيث قُتل الآلاف خلال حصار طويل.

    الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع لم يعد موضع شك. تقارير متعددة تؤكد أن أبو ظبي موّلت وسلّحت الميليشيا عبر مسارات تمتد من ليبيا إلى تشاد وإثيوبيا، مستخدمة شبكة إقليمية معقدة لتجاوز الرقابة الدولية. السيطرة التي فرضتها الميليشيا على مناطق حدودية في يونيو/حزيران الماضي فتحت خطوط إمداد مباشرة عبر ليبيا، وأسهمت بشكل حاسم في سقوط الفاشر بعد حصار دام أكثر من 550 يومًا.

    مصادر أمنية تحدثت أيضًا عن رصد وصول مرتزقة من كولومبيا وفنزويلا إلى ليبيا، قبل نقلهم إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. هذه المعطيات تؤكد أن ما يجري ليس دعمًا سياسيًا أو إنسانيًا، بل مشروعًا عسكريًا متكاملًا تقوده الإمارات لإعادة رسم موازين القوة في السودان والمنطقة.

    الرسالة التي وجهتها القاهرة كانت صريحة: استمرار هذا المسار سيدفع مصر إلى إعادة النظر في كامل علاقتها مع سلطات شرق ليبيا. كما عُرض على صدام حفتر بدائل مالية وعسكرية من مصر والسعودية لتعويض أي تراجع في الدعم الإماراتي، في محاولة لانتزاعه من دائرة النفوذ الإماراتي.

    تزامن هذه التحركات مع صفقة سلاح سعودية كبرى مع باكستان بقيمة أربعة مليارات دولار لم يكن عابرًا. التقارير تشير إلى أن هذه الأسلحة يُتوقع أن تُوزع بين قوات حفتر والجيش السوداني، في رسالة واضحة بأن الرياض والقاهرة مستعدتان لتشكيل محور مضاد للنفوذ الإماراتي المتصاعد.

    الأخطر من ذلك، ما كشفته تقارير استخباراتية عن خطة إماراتية بعيدة المدى لتفكيك ليبيا نفسها بعد ترسيخ سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور وكردفان، وزعزعة استقرار شمال السودان. الخطة تتضمن تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ متعددة، بعضها تحت سيطرة طرابلس، وأخرى تحت بنغازي، مع فصل الجفرة وسرت، بما يضمن استمرار الفوضى وإدامة النفوذ الإماراتي.

    هذا المشهد يعكس تصدعًا متزايدًا بين حلفاء الأمس. التوتر بين السعودية والإمارات خرج إلى العلن خلال الأسابيع الأخيرة، مع تزايد الانتقادات المتبادلة. في اليمن، مُني المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا بهزيمة على يد قوات موالية للحكومة اليمنية بدعم جوي سعودي، ما كشف عمق الخلاف حول إدارة النفوذ الإقليمي.

    التحاق مصر بهذا الموقف يؤكد أن القاهرة باتت ترى في السياسات الإماراتية عامل زعزعة إقليمي، سواء في السودان أو ليبيا أو اليمن. تقارير استخباراتية جرى تبادلها مع الرياض كشفت حجم الدور الإماراتي في دعم ميليشيات وانقسامات تهدد استقرار المنطقة بأكملها.

    Related Posts

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى