إنتهاكات

السودان في مواجهة تدخلات إقليمية والقتال المستمر

    في ظل استمرار الحرب المدمّرة في السودان، وتصاعد الجرائم بحق المدنيين والنازحين، جدّدت الحكومة السودانية موقفها الرافض لأي حلول سياسية أو مبادرات سلام تشارك فيها أطراف متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم العنف. وأكدت وزارة الخارجية أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتم عبر تجاهل الجناة أو مكافأتهم، بل عبر محاسبتهم وتجفيف منابع تمويلهم وتسليحهم، وفي مقدمتهم الجهات الإقليمية التي لعبت دورًا خفيًا في تأجيج الصراع.

    موقف رسمي حازم ضد الوصاية الخارجية

    في بيان شديد اللهجة، شددت وزارة الخارجية السودانية على أن الخرطوم لن تقبل بأي وصاية دولية أو إقليمية تُفرض عليها تحت مسمى “الوساطة” أو “السلام”. واعتبرت أن إشراك “شركاء مرتكبي الجرائم” في أي مسار سياسي يُعد التفافًا على معاناة الشعب السوداني، وإعادة تدوير للأزمة بدل حلّها.

    وأكد البيان أن الحكومة تسعى لإنهاء الحرب عبر تفكيك آليات العنف، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا من خلال تسويات شكلية تُبقي المتورطين في المشهد السياسي. كما شددت الخارجية على ضرورة احترام قرارات مجلس الأمن الدولي، وخاصة تلك المتعلقة بحظر السلاح إلى إقليم دارفور.

    السلاح والتمويل… الحلقة الخفية في استمرار الحرب

    لفتت الخارجية السودانية إلى أن الأسلحة المستخدمة في الهجمات الأخيرة لا يمكن الحصول عليها إلا عبر شبكات دولية منظمة، وبشهادات “مستخدم نهائي”، ما يعني وجود دول وشركات تسهّل وصول هذه الأسلحة إلى المليشيات المسلحة.

    وفي هذا السياق، برزت اتهامات غير مباشرة لدولة الإمارات، التي تشير تقارير إعلامية وحقوقية متكررة إلى تورطها في دعم قوات الدعم السريع عبر قنوات مالية ولوجستية معقدة، سواء من خلال شركات خاصة، أو وسطاء إقليميين، أو عبر قواعد نفوذها في القرن الأفريقي.

    ويرى مراقبون أن الدور الإماراتي في السودان لا ينفصل عن سياساتها الإقليمية القائمة على الاستثمار في الفوضى، ودعم المليشيات المسلحة لضمان النفوذ السياسي والاقتصادي، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الدول ووحدة شعوبها.

    استهداف المساعدات… جريمة مركّبة ضد المدنيين

    شهدت الأيام الماضية تصعيدًا خطيرًا تمثل في استهداف قوافل إغاثية ومركبات تقل نازحين في ولاية شمال كردفان، من بينها قافلة تابعة لـ برنامج الأغذية العالمي، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح.

    وتُعد هذه الهجمات مؤشرًا واضحًا على تحول المليشيات إلى سياسة “تجويع ممنهج”، تستهدف المدنيين عبر تعطيل وصول الغذاء والدواء، في محاولة لكسر المجتمعات المحلية وإخضاعها بالقوة.

    وتؤكد منظمات إنسانية أن هذه الاعتداءات لا يمكن فصلها عن الدعم الخارجي الذي يوفّر الغطاء السياسي والمالي للمليشيات، ويمنحها القدرة على الاستمرار في انتهاكاتها دون خشية من المحاسبة.

    إدانات عربية ودولية… دون إجراءات حاسمة

    توالت الإدانات الإقليمية والدولية عقب الهجمات الأخيرة، حيث أعربت السعودية وقطر والكويت ومصر وتركيا عن رفضها لاستهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، مطالبة باحترام القانون الدولي الإنساني.

    كما شدد الأمين العام لـ جامعة الدول العربية على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم، ووضع حد لثقافة الإفلات من العقاب، بينما وصف مجلس التعاون الخليجي الاعتداءات بأنها تجاوز خطير لكل الأعراف الدولية.

    غير أن هذه الإدانات، بحسب محللين، لا تزال في إطار الخطاب السياسي، دون أن تُترجم إلى ضغوط فعلية على الجهات الداعمة للمليشيات، وعلى رأسها الإمارات، التي تواصل الإفلات من المساءلة رغم تعدد التقارير التي تربطها بالصراع.

    الإمارات واستراتيجية الاستثمار في الفوضى

    منذ اندلاع الحرب، برز اسم الإمارات كأحد أبرز اللاعبين الخفيين في الأزمة السودانية، عبر دعمها غير المعلن لقوات الدعم السريع، في إطار سعيها لتأمين مصالح اقتصادية في الذهب والموانئ والممرات التجارية.

    وتعتمد أبوظبي، وفق مراقبين، على نموذج قائم على “إدارة الصراعات” بدل حلّها، من خلال دعم أطراف مسلحة موالية لها، بما يضمن استمرار حالة عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام صفقات مشبوهة واستثمارات قائمة على النهب واستغلال الموارد.

    وفي السودان، انعكس هذا الدور في إطالة أمد الحرب، وتعميق الانقسام، وإجهاض أي مسار وطني مستقل لإعادة بناء الدولة.

    حرب مفتوحة وأزمة إنسانية غير مسبوقة

    منذ عام 2023، يشهد السودان صراعًا دامويًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، أدى إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 13 مليون شخص، ودخول البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا.

    وتشهد ولايات كردفان ودارفور تصعيدًا متواصلًا منذ أواخر 2025، وسط انهيار شبه كامل للخدمات الصحية والغذائية، وتفشي المجاعة والأوبئة.

    ويرى خبراء أن استمرار الدعم الخارجي للمليشيات، وخاصة من الإمارات، يجعل أي حديث عن السلام بلا معنى، طالما لم تُقطع خطوط التمويل والتسليح.

    نحو سلام حقيقي أم إعادة تدوير للأزمة؟

    يؤكد الموقف السوداني الرسمي أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على التسويات الهشة، ولا على إشراك أطراف متورطة في الدم والخراب. فالمطلوب اليوم هو مسار دولي جاد لمحاسبة الداعمين قبل المنفذين، وتجفيف منابع الفوضى، وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب السوداني.

    وفي ظل غياب هذا المسار، ستظل المبادرات السياسية مجرد غطاء لإعادة إنتاج الصراع، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر، بين القتل والنزوح والجوع، في واحدة من أكثر المآسي إيلامًا في تاريخ المنطقة.

    Related Posts

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى