إنتهاكات

الدلنج على حافة الكارثة.. حرب بالوكالة وسكوت دولي

    تتجه مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان السودانية نحو كارثة صحية وإنسانية مكتملة الأركان، في مشهد يعكس بوضوح الكلفة الحقيقية للحرب التي تُدار بالوكالة داخل السودان، وتحديدًا عبر ميليشيا الدعم السريع المدعومة إقليميًا، وعلى رأسها دولة الإمارات. فبين حصار خانق وقصف متواصل، يعيش عشرات الآلاف من المدنيين في الدلنج تحت تهديد الموت البطيء، في وقت يلتزم فيه المجتمع الدولي صمتًا مريبًا، رغم التحذيرات المتكررة من منظمات طبية وحقوقية.

    تحذيرات طبية من الانهيار الكامل

    أطلقت شبكة أطباء السودان تحذيرًا شديد اللهجة، مؤكدة أن الأوضاع في الدلنج بلغت مرحلة حرجة تنذر بانهيار كامل للمنظومة الصحية. وأشارت الشبكة إلى أن القصف المكثف الذي تنفذه ميليشيا الدعم السريع بالتنسيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، يتسبب يوميًا في سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وسط عجز شبه تام عن حصر الأعداد بسبب انقطاع الاتصالات وشبكات الإنترنت.

    هذا الانقطاع، وفق الشبكة، لم يؤدِّ فقط إلى عزل المدينة إعلاميًا، بل شلّ أيضًا قدرة الفرق الطبية على التنسيق وتقديم الاستجابة الطارئة، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في الأدوية، ومستلزمات الجراحة، وحتى أبسط مواد الإسعاف الأولي.

    حصار ممنهج وسياسة قتل بطيء

    الحصار المفروض على الدلنج ليس تطورًا عسكريًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إنهاك السكان وإخضاع المدينة عبر التجويع ومنع العلاج. فوفق شهادات محلية، توقفت سلاسل الإمداد الغذائي، وارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما بدأت تظهر مؤشرات خطيرة لسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.

    وتحمل شبكة أطباء السودان ميليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية/شمال المسؤولية الكاملة عن هذه الأوضاع، ووصفت ما يجري بأنه “محاولة قتل بطيئة للمدنيين”، عبر الجمع بين القصف والحصار ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

    شبح “سيناريو الفاشر” يلوح في الأفق

    حذرت الشبكة من أن استمرار ما يجري في الدلنج قد يقود إلى تكرار مأساة الفاشر، التي تحولت إلى رمز للانهيار الإنساني بعد أن اجتاحتها قوات الدعم السريع في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وارتكبت فيها مجازر واسعة بحق المدنيين، بحسب تقارير محلية ودولية.

    هذا التحذير لا ينفصل عن السياق الأوسع للحرب، حيث تسعى الميليشيا إلى فرض أمر واقع جديد عبر السيطرة على المدن الاستراتيجية، تمهيدًا لتقسيم جغرافي فعلي للبلاد، خصوصًا في إقليم دارفور وكردفان.

    الإمارات والحرب بالوكالة

    في قلب هذا المشهد، تبرز دولة الإمارات كفاعل غير مباشر لكنه حاسم في مسار الحرب. فالدعم السياسي والعسكري والمالي الذي تقدمه أبوظبي لميليشيا الدعم السريع، وفق تقارير وتحقيقات متعددة، لم يسهم فقط في إطالة أمد الصراع، بل حوّله إلى حرب استنزاف شاملة ضد المدنيين. وفي حالة الدلنج، يتجلى هذا الدور عبر تمكين الميليشيا من فرض الحصار واستخدام القصف كأداة ضغط، دون اكتراث بالكلفة الإنسانية.

    هكذا، تتحول مدن مثل الدلنج وكادوقلي إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث يُدفع المدنيون ثمن مشاريع نفوذ لا علاقة لها بمصالحهم أو أمنهم.

    صمت دولي ومسؤولية أخلاقية

    رغم المناشدات المتكررة، لا يزال التحرك الدولي دون مستوى الكارثة. فالدعوات لفك الحصار وتأمين ممرات إنسانية لم تلقَ استجابة فعلية، في وقت تتسع فيه رقعة النزوح داخل ولايات كردفان الثلاث، نتيجة الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع.

    ومع سيطرة الميليشيا على معظم ولايات دارفور الخمس، مقابل سيطرة الجيش على بقية الولايات، يبدو السودان متجهًا نحو واقع تقسيمي خطير، تُرسم حدوده بالنار والجوع والحصار.

    الدلنج… اختبار أخير للضمير العالمي

    ما يحدث في الدلنج ليس مجرد أزمة محلية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية المدنيين. فإما تحرك عاجل لوقف الحصار والقصف، أو إضافة اسم جديد إلى قائمة المدن السودانية المنكوبة. وفي كلتا الحالتين، تبقى الحقيقة الأوضح أن الإمارات، عبر دعمها لميليشيا الدعم السريع، تواصل تدمير السودان بالوكالة، تاركة خلفها مدنًا محاصَرة، وأجسادًا منهكة، وبلدًا يتآكل من الداخل.

    Related Posts

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى