إنتهاكات

الأمم المتحدة: ميليشيا الدعم السريع تُهجّر السودانيين… بدعم إماراتي

    في مؤشر جديد على عمق الكارثة الإنسانية المتفاقمة في السودان، أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 10 آلاف شخص نزحوا خلال ثلاثة أيام فقط من ولايتي شمال دارفور وجنوب كردفان، في واحدة من أسرع موجات النزوح منذ اندلاع الحرب. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تحركات سكانية عابرة، بل تكشف عن سياسة تهجير قسري ممنهجة تقودها ميليشيا الدعم السريع، في إطار حرب مفتوحة تُدار بالنار والسلاح، وتُغذّى إقليميًا بدعم إماراتي موثق.

    نزوح جماعي تحت وقع السلاح

    بحسب بيانات صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة لـ الأمم المتحدة، فقد فرّ أكثر من 7 آلاف شخص من مدينتي أم برو وكرنوي في شمال دارفور، بعد أن اجتاحتهما ميليشيا قوات الدعم السريع خلال الأيام الماضية. هذه السيطرة لم تأتِ عبر معارك تقليدية، بل من خلال ترهيب السكان، ونهب الممتلكات، ودفع المدنيين إلى الفرار الجماعي نحو مناطق أكثر هشاشة وانعدامًا للخدمات.

    وفي جنوب كردفان، سجّلت المنظمة نزوح أكثر من 3 آلاف شخص من مدينة كادوقلي، التي تعيش حصارًا خانقًا، وسط سيطرة الجيش السوداني على المدينة وتطويقها من قبل الدعم السريع. ويعاني سكان كادوقلي من أوضاع إنسانية كارثية، تصل إلى حد المجاعة، في ظل انقطاع الإمدادات الغذائية والدوائية.

    حريق الملاجئ… مأساة داخل المأساة

    لم تتوقف الكارثة عند حدود النزوح، إذ أفادت المنظمة بأن حريقًا اندلع في منطقة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان، ما أدى إلى احتراق 45 مأوى للنازحين. الحادثة تسلط الضوء على هشاشة أوضاع الفارين من الحرب، الذين لا يجدون سوى ملاجئ بدائية سرعان ما تتحول إلى مصائد موت، في غياب أبسط معايير السلامة والدعم الإنساني.

    انعدام الأمن كسياسة ممنهجة

    أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن أعداد النازحين تتزايد بوتيرة متسارعة في ولايتي شمال وجنوب كردفان، نتيجة “تفاقم انعدام الأمن”. لكن هذا “الانعدام” ليس حالة عشوائية، بل نتاج مباشر لاستراتيجية ميليشيا الدعم السريع القائمة على نشر الفوضى، وتفكيك المجتمعات المحلية، وفرض السيطرة بالقوة.

    ففي مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، رُصد نزوح 780 شخصًا خلال أيام قليلة فقط، فيما نزح 510 أشخاص من قرية السنجوقي في ولاية شمال كردفان بسبب تدهور الأوضاع الأمنية. وتشير البيانات إلى أن المناطق المتأثرة لا تزال تعيش حالة توتر شديد، ما ينذر بموجات نزوح جديدة في أي لحظة.

    دارفور وكردفان… مسرح حرب مفتوحة

    التصعيد الأخير في كردفان لا يمكن فصله عن التطورات في إقليم دارفور، حيث أحكمت ميليشيا الدعم السريع قبضتها على معظم الإقليم، بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي. كما أعلنت الميليشيا، الأربعاء الماضي، السيطرة على مدينتي أبو قمرة وأم برو، في خطوة فتحت الطريق أمامها للتقدم نحو مناطق قبيلة الزغاوة على الحدود الشمالية الغربية، وسط اشتباكات متصاعدة.

    ومن بين 18 ولاية سودانية، تسيطر ميليشيا الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس، باستثناء أجزاء محدودة من شمال دارفور، بينما يحتفظ الجيش السوداني بالنفوذ في 13 ولاية أخرى، بينها العاصمة الخرطوم. هذا التقسيم القسري يعكس واقع دولة تتآكل سيادتها تحت ضربات السلاح والتمويل الخارجي.

    أرقام قياسية للنزوح

    في 18 ديسمبر الجاري، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين في ولايات كردفان الثلاث (شمال، غرب، جنوب) تراوح بين 50 ألفًا و445 ألف شخص خلال أقل من شهرين. هذه الأرقام القياسية تؤكد أن ما يجري ليس “تداعيات جانبية للحرب”، بل كارثة إنسانية شاملة، تتوسع يومًا بعد يوم.

    ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، قُتل عشرات الآلاف، ونزح نحو 13 مليون شخص داخل وخارج البلاد، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.

    الإمارات… الراعي الصامت للكارثة

    لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن الدور الإماراتي، الذي وفّر للميليشيا السلاح والمال والدعم السياسي، ما مكّنها من الاستمرار في ارتكاب جرائم التهجير والتطهير المجتمعي. فالدعم السريع لا تتحرك كقوة محلية مستقلة، بل كأداة ضمن مشروع إقليمي يضرب وحدة السودان، ويحوّل معاناة شعبه إلى ورقة نفوذ ومساومة.

    في المحصلة، تكشف بيانات الأمم المتحدة أن السودان لا يواجه مجرد نزاع مسلح، بل حرب إبادة بطيئة ضد المدنيين، تُنفّذها ميليشيا الدعم السريع، وتُدار من خلف الستار بأموال الإمارات. ومع استمرار الصمت الدولي، تتسع رقعة النزوح، ويتحوّل ملايين السودانيين إلى ضحايا بلا صوت في واحدة من أكثر المآسي إيلامًا في القرن الحادي والعشرين.

    Related Posts

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى